أسعد السحمراني

146

الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة

مع إعطاء حقّ الصدارة للنفس على الحس إلّا أنه يوجد عند مسكويه حلقة وصل مفقودة ، لأنه افترض وجود المبادئ الشريفة في النفس دون أن يحدد كيفية وجودها فيها ، وكان الأحرى به أن يطالب النفس من خلال قواها العاقلة بمحاولة التشبّع بالقيم الأخلاقية التي حدّدها الدين ، لأنها تغرس في الإنسان القيم الشريفة العالية . ويجب أن نعلم بأن « النفس ، وإن كانت تأخذ كثيرا من مبادئ العلوم عن الحواس ، فلها من نفسها مبادئ أخر وأفعال لا تأخذها عن الحواس البتّة ، وهي المبادئ الشريفة العالية التي تبنى عليها القياسات الصحيحة ، وذلك أنها إذا حكمت أنه ليس بين طرفي النقيض واسطة ، فإنها لم تأخذ هذا الحكم من شيء آخر لم يكن أولا » « 1 » . والثغرة هنا عند مسكويه هي اكتساب المعيار الأخلاقي فهو عندنا من الإسلام وضوابط الشرع ، وعند الوضعيين من فلسفات المنظّرين عندهم . أما الأحكام المعيارية التي هي أول في النفس دون مصدر تكتسب منه ، فلا نعرف لها سبيلا . من بين المعارف الأساسية المطلوبة من أجل الخلق القويم تلك المعرفة بحقيقة تركيب الإنسان من التعقّل والشهوة ، وتجنّبا للوقوع في عبادة الشهوات « يجب على العاقل أن يعرف ما ابتلي به الإنسان من هذه النقصانات التي في جسمه ، وحاجاته الضرورية إلى إزالتها وتكميلها . . . ولا يطلب اللّذة بعينها ، بل قوام الحياة التي تتبعه اللذة » « 2 » . فالإنسان مفطور على حاجات طبيعية عضوية منها حاجات للأخذ والتناول ، ومنها أخرى إلى الصرف والإزالة ، وهنا يجب على الإنسان أن يلبّي هذه الرغبات في وجهيها لكن دون إفراط فيها ، بل يكتفي بما يحقق له بلغة العيش وبالحد الأدنى الذي يجعل الجسد مؤهلا للاستمرار في وظيفته ، وبعدها يصرف الجهد الأساسي للبحث عن تحصيل الفضيلة ، وكيفية الوصول

--> ( 1 ) مسكويه ، م . س ، ص 7 . ( 2 ) مسكويه ، م . س ، ص 48 .